التوجيه كفعل وجودي
لم يعد التوجيه مجرد إجراء تقني لتوزيع الطلبة على الشعب، بل تحول إلى فعل وجودي يحدد هوية الفرد وعلاقته بالعالم. يهدف هذا المنظور إلى إعادة تعريف مرافقة المتعلمين من تدبير الاختيارات إلى بناء الإنسان.

التوجيه من التدبير التقني إلى البعد الوجودي
يُنظر إلى التوجيه المدرسي والمهني والجامعي في صيغته التقليدية كآلية تهدف إلى مساعدة المتعلم على انتقاء مسار دراسي أو تكويني يتوافق مع قدراته الذهنية وميوله الشخصية، بالإضافة إلى نتائجه الدراسية والإمكانات المتاحة في محيطه السوسيو-اقتصادي[1]. هذه الوظيفة، رغم ضرورتها القصوى في تنظيم المنظومة التعليمية، تظل محصورة في إطار "تدبير الاختيارات"، حيث يتم التعامل مع التوجيه كعملية مطابقة بين مهارات الفرد ومتطلبات سوق الشغل أو التخصصات الأكاديمية[1].
إلا أن اختزال هذه العملية في جانبها الإجرائي يجعلنا نغفل عن بُعد أعمق يمس جوهر الكيان الإنساني[1]. فعندما يتم سؤال المتعلم عن التخصص الذي يرغب في دراسته أو المهنة التي يطمح لممارستها، فإن السؤال في جوهره يتجاوز حدود "الشعبة" ليدخل في نطاق "الهوية"[1]. إن العملية هنا لا تتعلق فقط بـ "ماذا" سيدرس الطالب، بل بـ "من" سيكون هذا الإنسان في المستقبل[1].
فلسفة الاختيار وبناء الذات المتجددة
يمكن اعتبار التوجيه "فعلاً وجودياً" أو مصيرياً، وهو ما يعني أن الاختيار الدراسي أو المهني ليس مجرد قرار تقني محصن بالمعطيات الرقمية، بل هو لحظة محورية يبني فيها الفرد علاقته بذاته وبالعالم[1]. إن المتعلم، حينما يختار مساراً معيناً، فإنه لا يختار مؤسسة تعليمية أو تخصصاً معرفياً فحسب، بل يفتح أمام نفسه إمكانات جديدة لتشكيل ذاته وتطويرها[1].
هذا المنظور ينقل التوجيه من كونه "خدمة إدارية" إلى كونه "مرافقة وجودية"، حيث يدرك المتعلم أن اختياراته هي التي ترسم ملامح وجوده وتحدد كيف سيتفاعل مع المجتمع[1]. إنها عملية بناء للإنسان المتجدد الذي لا يتوقف عند شهادة علمية، بل يسعى لتحقيق ذاته من خلال مسار يعكس رؤيته للحياة وقيمه الشخصية[1].
انعكاسات الرؤية الوجودية على ممارسات التوجيه
إن تبني مفهوم التوجيه كفعل وجودي يتطلب إعادة النظر في طرق مرافقة الشباب في المؤسسات التعليمية، بحيث لا يقتصر دور الموجه على تقديم معلومات حول الآفاق المهنية، بل يمتد ليصبح محفزاً للمتعلم على التفكير في مشروعه الشخصي[1]. هذا التحول يهدف إلى جعل المتعلم فاعلاً أساسياً في رسم مصيره، وليس مجرد متلقٍ لتوجيهات مبنية على معدلات دراسية صماء[1].
إن الهدف الأسمى من هذا التوجه هو ضمان ألا يكون الاختيار الدراسي مجرد استجابة لضغط المحيط أو رغبة في الحصول على وظيفة آمنة، بل أن يكون نابعاً من وعي عميق بالذات وبالإمكانات التي يطمح الفرد لتطويرها[1]. بذلك، يصبح التوجيه جسراً يربط بين القدرات الحالية والطموحات الوجودية، مما يساهم في خلق توازن بين النجاح المهني والرضا النفسي[1].
يستخلص من هذا التحليل أن التوجيه في جوهره هو عملية تحرر وبناء؛ فكل مسار يختاره المتعلم هو في الواقع خطوة نحو تعريف نفسه للعالم، مما يجعل من التوجيه التربوي أداة لصياغة الإنسان قبل أن يكون وسيلة لتوزيع الموارد البشرية على القطاعات الاقتصادية[1].




