ارتقاء السياسة ونضج النخب
يواجه المغرب تحولاً عميقاً في بنياته الاقتصادية والدبلوماسية والرقمية، مما يفرض على النخب السياسية الانتقال من منطق الصراع والتموقع إلى ثقافة الكفاءة والمسؤولية. تبرز الحاجة اليوم إلى ممارسة سياسية تعكس طموحات الدولة الحديثة وتلبي تطلعات الأجيال الجديدة.

مواءمة الممارسة السياسية مع تحولات الدولة
يشهد المغرب تحولاً هادئاً وعميقاً يمس مختلف مفاصل بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد، حيث تتقاطع المشاريع الكبرى للبنية التحتية مع تحولات اقتصادية ملموسة [1]. هذا التطور يتزامن مع حركية دبلوماسية مكثفة وتعزيز للحضور الإفريقي، مما يضع البلاد في سياق استراتيجي جديد يتطلب رؤى سياسية متطورة [1].
إن التداخل بين رهانات التنمية والثورة الرقمية، إلى جانب تغير أنماط تفكير الأجيال الصاعدة، يجعل من البيئة السياسية التقليدية غير كافية للتعامل مع هذه المعطيات [1]. فالدولة في تطور مستمر، وهو ما يفرض على النخب ضرورة مواكبة هذا التحول لضمان عدم حدوث فجوة بين التطور المؤسساتي والممارسة السياسية [1].
من ثقافة التموقع إلى معيار الكفاءة
يبرز المجال السياسي كأكثر المجالات حاجة إلى التجديد، حيث لا ينبغي أن يقتصر هذا التجديد على تغيير الوجوه أو استبدال الخطابات بشكل سطحي [1]. إن المطلوب هو إحداث نقلة نوعية في الثقافة السياسية، بالانتقال من ممارسات تستهلك طاقتها في الصراعات الضيقة والتموقع السياسي، إلى ثقافة تضع الإنجاز والكفاءة في قلب العملية [1].
لقد أصبح معيار الشرعية السياسية مرتبطاً بمدى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة وتحمل المسؤولية [1]. فكلما ارتفع سقف طموحات الدولة المغربية، تعاظم التحدي أمام الممارسة السياسية التي لا تزال محكومة بمنطق مراحل سابقة لم تعد تلائم تطلعات المغرب اليوم [1].
تحديات النخب في مواجهة مغرب اليوم
يتطلب الواقع الراهن سياسة تشبه "مغرب اليوم" وتتعامل مع معطياته، بدلاً من الاستمرار في نهج سياسات تستحضر "مغرب الأمس" [1]. إن النخب مطالبة اليوم بالخروج من قوالب التفكير التقليدية لتبني مقاربات تتماشى مع سرعة التحولات الرقمية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع [1].
إن الفجوة بين التطور المادي والمؤسساتي للدولة وبين النضج السياسي للنخب قد تشكل عائقاً أمام تحقيق التنمية الشاملة [1]. لذا، فإن الارتقاء بالسياسة لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان انسجام القيادة السياسية مع الدينامية التي تشهدها البلاد في مختلف القطاعات [1].
يعكس هذا المسار ضرورة إعادة صياغة العقد السياسي الداخلي ليكون قائماً على النتائج والفعالية، مما يضمن انتقالاً سلساً نحو تدبير سياسي يتسم بالنضج والقدرة على استباق التحديات المستقبلية في ظل دولة تتطور بسرعة فائقة [1].




